حركة الترجمة في دولة الإمارات العربية المتحدة

ودور أبوظبي المحوري فيها

جسر الأفكار: كيف تعيد حركة الترجمة في الإمارات تشكيل المشهد الثقافي

في قلب عالم يزداد عولمة بسرعة، برزت دولة الإمارات العربية المتحدة ليس فقط كمعجزة اقتصادية ومعمارية، ولكن كمركز ديناميكي للتبادل الثقافي والفكري. وفي صميم هذا التحول يكمن مشروع وطني استراتيجي وطموح: حركة الترجمة. هذه المبادرة ليست مجرد جهد أكاديمي، بل هي مسعى واعٍ لبناء جسور من التفاهم، ودعم اقتصاد قائم على المعرفة، وترسيخ مكانة الدولة كنقطة محورية في الحوار العالمي. وعلى الرغم من أن الجهد يشمل الدولة بأكملها، إلا أن العاصمة أبوظبي قد رسخت نفسها بمثابة المحرك الذي لا يُنكر وحامل لواء هذه الحركة.

من مفترق طرق تاريخي إلى مركز معرفي حديث

إن تركيز الإمارات على الترجمة هو امتداد حديث لإرثها العريق. كانت المنطقة الواقعة على طرق التجارة بين الشرق والغرب، منذ فترة طويلة بوتقة تنصهر فيها اللغات والثقافات. اليوم، أعادت القيادة إشعال هذه التقاليد، مدركة أن المعرفة في القرن الحادي والعشرين هي العملة الأكثر قيمة. تشكل حركة الترجمة ركيزة أساسية في الاستراتيجية الوطنية للتنويع بعيداً عن عوائد النفط، لتربية مواطنين مستنيرين متعلمين وجذب ألمع العقول في العالم.

أبوظبي: محور لنهضة ثقافية

بينما تتعدد المبادرات في دولة الإمارات العربية المتحدة، فإن أبوظبي قد تبنت دوراً ريادياً، حيث أطلقت مشاريع كبرى ورؤوية استحوذت على اهتمام العالم.

  1.  مشروع ” كلمة “: استعادة إرث ضائع

    أُطلق في عام 2007 تحت رعاية هيئة أبوظبي للثقافة والتراث (دائرة الثقافة والسياحة – أبوظبي)، كان مشروع ” كلمة ” مبادرة رائدة. كانت مهمته الأساسية هي ترجمة المئات من النصوص الدولية الكلاسيكية والمعاصرة إلى اللغة العربية سنوياً. بعد أن عانى العالم العربي لعقود من فجوة ترجمة كبيرة سعت مبادرة ” كلمة ” لملء هذا الفراغ، لإعادة ربط القارئ العربي بالفكر العالمي واستعادة دور العالم العربي في عصره الذهبي كمترجم وحافظ للمعرفة.

  • جائزة الشيخ زايد للكتاب: إعلاء الفكر العربي عالمياً

لعل جائزة الشيخ زايد للكتاب، التي يديرها مركز أبو ظبي للغة العربية، والتي تعد ربما الجائزة الفكرية الأكثر شهرة في العالم العربي، تلعب دوراً مزدوجاً حاسماً.

    فهي لا تكرم الكتاب والمفكرين العرب البارزين فحسب، بل تضم أيضاً فئة مخصصة للترجمة . وهذا يشجع على ترجمة الأعمال العربية المؤثرة إلى لغات أخرى، مما يضمن أن تدفق الأفكار يكون في اتجاهين. ومن خلال عرض ثراء الثقافة العربية للجمهور العالمي، تعمل الجائزة على تصحيح الاختلالات في المشهد الأدبي العالمي وتعزيز التفاهم المتبادل.

  • مركز أبوظبي للغة العربية: مركز القيادة الاستراتيجي

    لقد وفر إنشاء مركز أبوظبي للغة العربية إطاراً مؤسسياً استراتيجياً لحركة الترجمة. لا يقتصر المركز على رعاية الترجمات؛ بل يطور برامج شاملة للمعاجم اللغوية، ويعزز الكتابة الإبداعية باللغة العربية، ويستضيف مؤتمرات دولية كبرى مثل معرض أبوظبي الدولي للكتاب، الذي يشكل بدوره سوقاً ضخمة لحقوق الترجمة. يضمن المركز أن تكون الحركة مستدامة، وقائمة على المعلومات والبيانات، ومتوافقة مع الرؤية الثقافية طويلة المدى للإمارات.

  • دور المؤسسات الكبرى

    المؤسسات الثقافية العالمية المستوى في أبوظبي هي أيضاً جزء لا يتجزأ من هذه المهمة. فمتحف اللوفر أبوظبي، من خلال سرده التحريري وموارده متعددة اللغات، يترجم تاريخ الفن والإبداع البشري للجمهور العالمي. وتعمل جامعة نيويورك أبوظبي على تعزيز بيئة أكاديمية تكون الترجمة فيها ممارسة يومية، سواء في أبحاثها الأكاديمية أو في حياتها الجامعية متعددة الثقافات.

الأثر والمستقبل

يُعَدُ تأثير هذه الحركة، التي تقودها أبوظبي، تأثيراً عميقاً:

•    إثراء فكري: يتمتع القراء العرب الآن بإمكانية الوصول إلى المؤلفات والأدب العالمي بشكل غير مسبوق.

•    دبلوماسية ثقافية: من خلال ترجمة الأعمال العربية، تضع الإمارات نفسها كحامية وراعية للثقافة العربية، وتبني قوة ناعمة وتعزز الحوار بين الثقافات.

•    التنويع الاقتصادي: يتطلب اقتصاد المعرفة النابض بالحياة شعباً لديه إمكانية الوصول إلى أحدث الأبحاث والأفكار العالمية في العلوم والتكنولوجيا والأعمال.

إن حركة الترجمة في دولة الإمارات العربية المتحدة، بقيادة أبوظبي ، هي شهادة قوية على رؤية الدولة المتقدمة بالتفكير. إنها تتجاوز المفهوم المبسط للترجمة باعتبارها مهمة ميكانيكية، وإعادة صياغتها كفعل حيوي للإبداع والاتصال الثقافي. بترجمة أدب العالم إلى العربية والأصوات العربية إلى العالم، لا تشارك الإمارات في الحوار العالمي فحسب، بل تساعد بنشاط في تشكيله، وتبني إرثاً من المعرفة سيبقى طويلاً.